الشيخ السبحاني
174
بحوث في الملل والنحل
أعمالهم الإجراميّة ، ولا يرون للإنسان ولا لأنفسهم أيّة مسئوليّة فيها ، ويرفعون عقيرتهم بأنّ كلّ ما في الكون من خير وشرّ ، وكظّة وسغب ، إنّما يرجع إلى إرادته سبحانه . فلا يصحّ الاعتراض على جوع المظلوم وشبع الظالم . وهؤلاء الأحرار قد قاموا في وجه الأمويين وأنكروا القدر بهذا المعنى الّذي يعرّف الإنسان كالريشة في مهبّ الريح . ونفي القدر بهذا المعنى ، غير نفيه بالمعنى الصحيح سواء فسّر بالعلم والإرادة الأزليين ، أم بتقدير الأشياء والقضاء على وجودها وتقدير الإنسان بينهما موجوداً مختاراً مسئولًا عن فعله ، والقضاء على ما يصدر منه بهذه الصورة على ما أوضحناه في محلّه . 3 - ما نقله الشيخ أبو زهرة عن الشيخ مصطفى الصبري شيخ إسلام ( تركيا ) السابق وهو مقاربة رأيهم بعض عقائد المجوس ، فالمجوس ينسبون الخير إلى اللَّه والشرّ إلى الشيطان وكذلك هؤلاء القدريّة يفرقون بين الخير والشر فيسندون الخير إلى اللَّه والشرّ إلى الشيطان « 1 » . يلاحظ عليه : أنّ نسبة الثنوية بالمعنى الّذي ذكره شيخ إسلام تركيا إلى المعتزلة رجم بالغيب ، فإنّ المعروف من مذهب المعتزلة فضلًا عن أسلافهم هو نسبة الخير والشرّ إلى الإنسان نفسه لا التّفريق بينهما . وهذا كلام قاضي القضاة عبد الجبّار ، يمنع بتاتاً عن انتساب فعل الإنسان إلى اللَّه خيره وشرّه ويقول : « إنّ أفعال العباد لا يجوز أن توصف
--> ( 1 ) . تاريخ المذاهب الإسلاميّة : 1 / 124 .